كل من تابع قمة نصف النهائي بين إسبانيا وفرنسا، خرج بسؤال واحد يفرض نفسه: هل كانت فرنسا حقاً بذلك البعبع المرعب، أم أننا نحن من أعطيناها قيمة أكثر مما تستحق؟ الفارق اليوم لم يكن في جودة الأسماء والمهارات الفردية، بل كان في “الشخصية” والطريقة الذهنية التي دخل بها كل منتخب للمستطيل الأخضر.لافوينتي والدرس الإسباني: المنظومة تلتهم الفرديات
دخل لويس دي لافوينتي المباراة بهدف واحد: فرض الإيقاع وليس التأقلم مع فرنسا. لم يمنحهم الكرة ولم يتراجع للخلف بانتظار ردة الفعل، بل استحوذ على وسط الميدان ووضع كامل ثقته في نهجه الجماعي، مجبراً فرنسا على الجري خلف الكرة طيلة 90 دقيقة.
هذا هو الدرس التكتيكي الأبرز: إذا أردت الإطاحة بالكبار، يجب أن تجعلهم هم من يشعرون بالضغط والتهديد، لا أنت.
تصريح مدرب إسبانيا بعد اللقاء لخص كل شيء حين قال إن المواجهة كانت بين “أفضل اللاعبين (فرنسا) وأفضل منتخب (إسبانيا)”. وما رأيناه فوق الميدان أكد أن الكرة الجماعية المنظمة أقوى بكثير من النجوم الفردية؛ حيث نجح “لا روخا” في عزل مفاتيح لعب فرنسا بطرق قانونية وذكية، وخنق خط وسطهم تماماً، مما قطع الإمدادات كلياً عن مبابي وديمبيلي وأوليسي، وأجبرهم على التراجع للخلف بدلاً من صناعة الخطورة.
- أزمة وسط الميدان والجاهزية البدنية للأسود
بالعودة لمنتخبنا الوطني، تمنت الجماهير المغربية رؤية توليفة وسط ميدان قوية بوجود أسماء كالعيناوي، بوعدي، وأوناحي لفرض السيطرة والاستحواذ، وهو مفتاح الفوز الذي كان على وهبي استعماله، ضد منتخب الديوك، لكن الواقعية تفرض الاعتراف بأن التركيبة البشرية لم تكن مهيأة لتطبيق ضغط عالٍ طيلة تلك المباراة لأسباب تبدو غامضة بالفعل.
المشكل لم يكن يوماً في قلة المواهب؛ فالمغرب يمتلك جودة كروية استثنائية، والمباريات التاريخية التي قدمناها أمام قوى عالمية مثل البرازيل وهولندا أثبتت للجميع أننا قادرون على مقارعة أي منافس والانتصار عليه. لكن الفارق الحقيقي في هذا المستوى العالي يصنعه “الإيمان بالخطة والثقة المطلقة في إمكانيات اللاعبين”.
- فخ “تغيير الهوية” أمام المنتخبات الكبيرة
أكبر خطأ تكتيكي ونفسي يمكن أن يرتكبه مدرب هو أن يغير أفكاره الكروية وهويته لمجرد أنه يواجه خصماً كبيراً. هذا الفخ هو ما سقطت فيه هولندا سابقاً أمام المغرب، وهو نفسه الفخ الذي سقطنا فيه نحن أمام فرنسا فاستسلمنا تكتيكياً قبل البداية. عندما تغير أسلوبك المعتاد، فإنك تبعث برسالة غير مباشرة للاعبيك وللخصم بأنك “متخوف”، فتدخل اللقاء خاسراً نفسياً قبل صافرة الحكم.
على المنتخب المغربي وجهازه الفني برئاسة محمد وهبي استخلاص هذا الدرس سريعاً وبإيجابية كبيرة؛ فالإمكانيات والمواهب متوفرة بكثرة، لكن ما نحتاجه فعلاً هو الجرأة، والشخصية، والإيمان بالنفس. عندما نلعب بالهوية والشجاعة التي ظهرنا بها ضد البرازيل وهولندا، يمكننا الوصول لأبعد نقطة والمنافسة على الذهب العالمي؛ أما الخوف والتراجع، فإنه يجعل حتى أقوى اللاعبين وأكثرهم موهبة يبدون عاديين جداً فوق أرضية الملعب.
شارك هذا المحتوى :
إرسال التعليق