قامت العمالة اليوم باستدعاء مجموعة من المسؤولين والفاعلين الإقليمين لمتابعة أشغال النسخة الثانية من المناظرة الوطنية حول الجهوية المتقدمة ، مع استثناء النقابات ، وبصفة أدق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل – نظرا لعدم علمنا باستدعاء باقي الإطارات النقابية إقليميا أم لا – الشيء الذي يدفعنا الى طرح سؤال جوهري هل يعد إقصاء الصوت النقابي من النسخة الثانية للمناظرة الوطنية للجهوية المتقدمة تهميشا للحوار الاجتماعي وانحرافا عن مبادئ الديمقراطية التشاركية المتبناة -نظريا-من خلال مأسسة الحوار الاجتماعي والتي لا تفوت الحكومة أو الدولة بصفة أوضح فرصة للتغني بها والتفاخر على مستوى الخطاب لا الممارسة؟
الأكيد أن إقصاء المكون النقابي من المنظور الترابي المتخذ من الحكامة والفاعلية والفعالية فاعل أساسي في أي دينامية مستدامة منشودة، باعتبار هذه الأخيرة مبعث وسبب في اعتماد الجهوية المتقدمة كأسلوب للتدبير الترابي.
وتبعا لذلك، فان هذا الإقصاء لهذا الصوت لن يمر دون أن يثير استياءً واسعًا بين النقابيين والمهتمين بالشأن الاجتماعي الغيورين على وطنهم والمنافحين على كرامة والعدالة الاجتماعية التي تعتبر الغاية الكبرى لاي تدبير أيا كان نوعه، وخاصة الجهوية المتقدمة التي كان الصوت النقابي أول المنادين بها.
هذا الإقصاء قد نتوقع الحيثيات أو لنقل الأوهام- لان ذلك غير واقعي- التي انطلقت الجهة التي حضرت لهذه النسخة، والتي نؤكد لها أن الصوت النقابي ليس مزعجا لتصور ينشد التطور والتقدم والرفاهية للجميع. لان هذ الصوت باختصار هو صمان أمان للدولة ومشخصا للأعطاب التي تنشد الجهوية المتقدمة تجاوزها ومعالجتها، وهو ذلك -وهي وظيفته الفعلية- لتصور يروم استعباد جهة أو طبقة اجتماعية لخدمة طبقة أخرى…أي أن هذا الإزعاج ضرورة لتحقيق التوازن في المجتمع.
الشيء الذي يكون مبررا للتساؤل مرة أخرى: هل يُعد هذا التصور الإقصائي انتكاسة للديمقراطية التشاركية التي نص عليها دستور المملكة، ومؤشرًا على تجاهل الحكومة لأحد أبرز الشركاء الاجتماعيين، الذين يمثلون شريحة واسعة من العمال والموظفين بمختلف القطاعات؟
إن الجهوية المتقدمة لا يمكن أن تحقق أهدافها التنموية الشاملة إلا من خلال إشراك جميع الفاعلين، بما في ذلك النقابات، التي تعد صوتًا حقيقيًا لمشاكل الفئات الشغيلة وتطلعاتها. خاصة وان نجاح كل الأوراش التنموية-من وجهة نظرنا الكونفدرالية – لا تقوم لها قائمة ويكتب لها النجاح بوجود طرفين اثنين يتقاسمان نفس الرؤية والأهداف: الدولة والمستثمر… من جهة والعمال والموظفون والمستخدمون…من جهة ثانية. فكيف يمكن الحديث عن التنمية الجهوية والعدالة الاجتماعية دون سماع أصوات أولئك الذين يحملون هموم الشغيلة ويعبرون عن معاناتها اليومية؟
إقصاء النقابات من مثل هذه الفعاليات يرسل رسائل سلبية، مفادها أن الجهات المنظمة تعتبر الصوت النقابي لا قيمة له في سيرورة الفعل التنموي، وان الحوار الاجتماعي لم يعد ضمن أولوياتها، وأن السياسات تُدار بمنطق الإقصاء بدلًا من التعاون والتشارك وان هذه الجهات تقرر وعلى الأخرين سوى التنفيذ.
نعتقد انه على الحكومة والجهات المنظمة أن تعي أن تجاهل الصوت النقابي لن يؤدي إلا إلى تهميش الطبقات الهشة والى تعميق الهوة بين صناع القرار والمجتمع، وسيُفقد المبادرات الوطنية مصداقيتها ويفقد الجهات المنفذة (العمال والموظفون والمستخدمون…) الحماس والحافزية، أي التعبئة الاجتماعية، وقد يعوق بلورتها عمليا.
فالجهوية المتقدمة لا تعني فقط توزيع الصلاحيات والموارد داخل القاعات المكيفة، بل تعني أيضًا إشراك كل الفاعلين في صناعة القرارات ورسم السياسات.
نحن اليوم بحاجة إلى تصحيح هذا المسار من خلال الاعتراف بالدور المحوري للنقابات في تحقيق التنمية المستدامة، وإفساح المجال أمامها لتكون شريكًا فعليًا في جميع المبادرات الوطنية باعتبارها ممثلا لفئات تقع على عاتقها بلورة وتنزيل أوراش الجهوية المتقدمة …
هرموش محمد امين المكتب الاقليمي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بتارودانت
شارك هذا المحتوى :
إرسال التعليق