جاري التحميل الآن

بين الاحتجاج المشروع والجريمة الممنهجة

في كل مرة يظن تجار الخراب المقنع بالنضال أن ذاكرة المغاربة قصيرة، يعودون إلى أرشيف الفوضى بحثا عن مشاهد بائسة يقدمونها بلباس النضال، محاولين تزوير الحقيقة وقلب الأدوار بين الجاني والضحية. اليوم يعاد إحياء ما جرى في “القليعة” وكأنه صفحة غامضة تحتاج إلى تفسير، مع أن الوقائع أوضح من أن تنكر، والكاميرات والشهادات والوثائق الرسمية ما تزال تتحدث بلغتها الصريحة. محاولة جديدة لإلباس الجريمة ثوب النضال، وكأن المغاربة قابلون لابتلاع نفس الخدعة مرة أخرى.
فما حدث في القليعة لم يكن أبدا احتجاجا سلميا ولا تعبيرا حضاريا عن مطالب اجتماعية. ما جرى كان تخريبا ممنهجا، وانفلاتا مدروسا، وسلسلة أفعال جنائية مكتملة الأركان: مؤسسات عمومية أُحرقت، محلات تنهب أمام أعين أصحابها العاجزين، ممتلكات خاصة وجماعية تدمر بلا شفقة، ومراكز أمن تُهاجم كأن الفوضى قدر لا مفر منه. هذه لم تكن شعارات، بل جرائم موثقة لا تُلغيها السنوات ولا تجملها محاولات التلاعب بالخطاب الحقوقي.
الاحتجاج السلمي حق، بل واجب أحيانا، لكن هذا الحق يتوقف حين يسقط أول حجر ويشتعل أول حريق. يتوقف حين يتحوّل الشارع من فضاء للتعبير إلى ممر للعنف والاعتداء. ومع ذلك، يصرّ البعض اليوم على خلط الأوراق، فيضعون الجاني في موقع الضحية، وينزعون صفة الجرم عن أفعال لا يمكن لعاقل أن يصفها بغير الإجرام. يكتبون عن “ضحايا الماضي” و”شباب ناضلوا”، بينما أصحاب المحلات التي احترقت، والموظفون الذين تعرضوا للاعتداء، والمواطنون الذين وجدوا أنفسهم محاصرين وسط الفوضى… هؤلاء هم الضحايا الحقيقيون الذين لم يذكرهم أحد.
الدولة، حين واجهت هذه الأحداث، لم تكن تحاصر احتجاجا مشروعا، بل كانت تدافع عن أمن الناس، عن حقهم في السير بأمان، عن ممتلكاتهم، عن استقرار وطنهم. الشرطي الذي وقف في وجه النيران والغوغاء لم يكن جلادا، بل حاجزا بشريا بين العنف والحياة الطبيعية، بين المجرم والمواطن البريء. هذا هو الفرق الذي يتجاهله من يريدون اليوم إعادة كتابة الحكاية وفق مقاساتهم الإيديولوجية.
فلماذا يعود الحديث الآن عن أحداث انتهت منذ مدة؟ ليس لأن الحقيقة غامضة، بل لأن الهدف مكشوف: صناعة ارتباك جديد، خلق شرخ بين المواطن ومؤسساته، تحويل الجناة إلى شهداء. إنها وصفة قديمة تُستدعى كلما ضاقت الحجج وفشلت المشاريع السياسية في إقناع الناس. وعندما يغيب المنطق، يُستحضر الماضي. وعندما تُهزم الأفكار، يُستحضر الغضب.
لكن الحقيقة لا تسقط بالتقادم. من حرق فقد ارتكب جريمة. من نهب فقد اعتدى على رزق غيره. من هاجم رجال الأمن فقد اختار طريق العنف. والزمن لا يمحو مسؤوليات كهذه، ولا يحولها إلى نضال مهما حاول البعض تلميعها. الخطاب الحقوقي الحقيقي لا يبرر الفوضى، ولا يمنح شرعية للعنف، ولا يصنع بطولة من رماد الجرائم.
المغرب كان وسيظل دولة تميز بين الاحتجاج المشروع والخروج عن القانون، دولة تستمع للمطالب وتفتح المجال للتعبير، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تكون رهينة لفوضى لا حدود لها. لأن الديمقراطية، في جوهرها، ليست فوضى، والحرية ليست اعتداء على الآخرين، والتسامح ليس غطاء للإجرام. هذا الفهم العميق هو ما يجعل البلاد مستقرة، وهو ما يميز بين دولة قوية وأخرى تسقط عند أول عاصفة.
والمغاربة، بوعيهم الثابت، يعرفون جيدا من يدافع عن الاستقرار ومن يتغذى على الفوضى. يعرفون أن إعادة تدوير الأحداث القديمة ليس هدفه الحقيقة بل التحريض. وأن من يحاولون اليوم تلميع وجوه الخراب لن ينجحوا في إقناع شعب يرى الواقع بوضوح.
الحقيقة بسيطة: لي دار الذنب يستاهل العقوبة. ولن يصبح مذنب بطلا مهما غُلفت الجرائم بالشعارات. المغرب يمضي نحو المستقبل بثقة، يحمي الاستقرار ويحصن السلم، ولن يسمح لأقنعة زائفة بأن بأن تفتح الباب مجددا أمام من يريد أن يروَّج للفوضى باسم النضال.

شارك هذا المحتوى :

إرسال التعليق